نسرين مهابي
07-20-2011, 11:02 PM
بسم الله الرحمان الرحيم
العَائِدُ مِنَ المَوْتِ...حَيًًّا
*قصة كتبتها مِن وَحْيِ قَلَمِي
أضع بين أيديكم هذه القصة المتواضعة و التي كتبتها من تأليفي الخاص، وهي قصة حزينة، تحكي عن مدى محاولات الإنسان في التغلب على الآلام و الصعاب التي يتعرض لها، وأنه لا يجب علينا فقدان الأمل و الموت أحياءا مهما واجهتنا العراقيل و الصدمات ، لأن الحياة مستمرة... فلا حياة مع اليأس...وأنه يبقى وميض من الأمل يسطع من بعيد لينير حياتنا من جديد.
بسم الله تعالى نبدأ
جَلَسَتْ قُرْبَ النافذة المطلة على الشارع، بينما كانت تسترق النظر من وراء الستارة، راودتها أفكار غريبة، كان كل شيء مبعثرا، حتى الأكل الموضوع فوق الطاولة كان لا يزال على حاله، لم تذق منه ولا لقمة واحدة. ظلت أفكارها الغريبة تسرح بها يمينا و شمالا؛ بين إحساس بالحيرة تارة، و رغبة شديدة بالبكاء تارة أخرى.
ما سر المكالمة الهاتفية التي تلقتها ليلة البارحة؟ وماذا كان مضمونها الذي لم يسمح حتى للنوم بأن يغمض عينيها ؟؟؟.
تنهدت تنهيدة مثقلة، تضاربت فيها أحاسيس من الأمل و الألم معاً، و ظلت تفكر في ذلك الاتصال الهاتفي و تقول: أمعقول أن يكون هو فعلا؟؟؟...و كيف ذلك؟..و إذا كان هو حقاً، فلماذا بعد كل هذه السنين!!!..أم أنه مجرد اتصال خاطئ؟....وعادت بها الذاكرة إلى أحضان الماضي.
قبل عشر سنوات، كانت سناء تعيش مع أمها و أخيها الوحيد عمران، وكان لم يمر على وفاة والدهم سوى بضعة أشهر....كان أخوها هو عائلهم الوحيد، وكانت هي آنذاك لا تزال طالبة جامعية في السنة الأولى، تأثرت كثيرا بموت والدها حتى أنها لم تعد تفكر في الذهاب إلى الجامعة، لاسيما و الامتحانات على الأبواب، لكن أخاها كان سندها الوحيد - رغم حزنه هو أيضا-، وقف إلى جانبها و شجعها و حفزها على الاستعداد للامتحانات بكل عزم و جد، خصوصا بعد أن ذكَّرها بأمنية والدهم المرحوم، و هي أن يراهم ناجحين و متفوقين، وكم كان سيفرح و سيفتخر بها لو كان ما يزال على قيد الحياة، و ما كان منها إلا أن ثابرت و اجتهدت بعد أن سمعت هذا الكلام، و فعلا حققت رغبة أبيها المتوفى، وحصلت على درجة الماجستير بتقدير جيد بعد خمس سنوات. كان فرحتهم كبيرة لا توصف بهذا الخبر، ممزوجة بالدموع لرحيل الوالد قبل أن يرى هذا اليوم، ولكنها مشيئة الله.
مرت أشهر قليلة و استلمت سناء رسالة تعيين لوظيفة في إحدى الشركات التي كانت قد أجرت معهم مقابلة توظيف من قبل، شعرت الوالدة والأخ بالفخر لعملها، وعاش الثلاثة أجمل اللحظات إلى أن جاء اليوم الموعود؛ حين تحقق حلم أخيها عمران في الحصول على فرصة عمل في بلد أجنبي، فرح أشد الفرح، لكن، أخته سناء و أمه أبوا أن يبتعد عنهم سندهم الوحيد و رجل البيت بعد وفاة رب الأسرة، و كم حاولوا إقناعه في البقاء في بلده إلى جانبهم، و أنه ليس بحاجة لوظيفة بالخارج، خاصة و أن مرتبه الحالي جيد و يوفر له كل الاحتياجات، إلا أن طموحه كان أكبر من ذلك، وما كان منهما إلا الاستسلام أمام رغبته في تطوير ذاته.
جاء موعد السفر، رافقتاه إلى المطار، و وَدّعُوا بعضهم البعض و الدموع تغمر أعينهم، قبّلَ رأس أمه التي غمرته بدعواتها له بالتوفيق، و سلّم على أخته الوحيدة، و أخبرها أنه ما إن يستقر وضعه، حتى يوفر لها كل ما تحتاجه لتأمين مستقبلها، تمنت له النجاح في حياته هي أيضا. ذهب إلى الممر الخاص بالمسافرين، و بعد دقائق أقلعت الطائرة و كلهم أمل بألا يطول الغياب.
مرت أيام و أيام، وظلّ يتصل بهما باستمرار ليطمئن عليهما و يطمئنهما عليه و عن حال عمله، و أخبرهما كم يتمنى لو كانتا معه، كان يهاتفهما مرة في الأسبوع، و في الأعياد و المناسبات، و كل مرة يتصل فيها تدمع أعينهما و لا تمتلكان سوى الدعاء له بعودته سالما معافى.
و مرت سنة على هذه الحال، إلى أن حدث ما لم يكن في الحسبان، ففي يوم من الأيام و بينما كانت سناء في عملها و الأم منهمكة في أشغال البيت، دُقَّ الباب، لقد كان الطارق رجلا أجنبيا، كان يتكلم العربية، و أخبرها أنه مبعوث من الشركة التي يشتغل بها عمران، و جاء ليبلغها نبأ وفاة هذا الأخير في حادث مؤلم؛ فبينما كان في طريقه لمعاينة إحدى مشاريع الشركة، فَقَدَ السيطرة على مقود سيارته، و سقطت به من أعلى المنحدر، وتحطمت كلياً، وتَمَّ العثور على الجثة و كانت مشوهة تماماً، وتأكدوا من صاحبها من خلال الوثائق التي كانت بداخل السيارة، و أنه سيتمُّ نقل الجثة بصندوق إلى بلدها الأصلي بعد أسبوع، و أن الشركة ستقدم لهم تعويضا مُهِمًّا و كل التأمينات التي كانت لصالح للضحية، و ما إن أكمل الرجل كلامه حتى أُصِيبَتِ الأمُّ المسكينة بنوبةٍ قلبيةٍ، نُقِلَتْ على إثرِها إلى المستشفى.
ولمَّا عادت أخته إلى البيت و سمعت الخبر من الجيران، ذهبت على وجه السرعة إلى المستشفى و قلبها محطم من شدة الحزن لترى أمها، كانت تعيش أصعب لحظاتها على الإطلاق، من جهة موت أخيها المفاجئ بطريقة بشعة، و من جهة أخرى؛ النوبة التي أصابت أمها، و الأفظع من ذلك أن حالة الأم زادت سوءًا و لم تجتز مرحلة الخطر، فماتت بحسرتها هي الأخرى.
اِسودَّتِ الدنيا في عيني سناء، بعدما أصبحت وحيدة في هذه الحياة، و لولا قيام الجيران و بعض أصدقاء الفقيد، باتخاذ إجراءات الدفن، و إكمال المعاملات اللازمة لحصولها على التعويضات، لما كانت تدري ما تفعل، خاصة أنها دخلت في حالة اكتئاب شديدة، و انعزلت عن العالم كله، حتى أنها انقطعت عن عملها. و كانت جارتها يُمنى هي الإنسانة الوحيدة التي تطل للاطمئنان عليها و تقوم بقضاء حاجياتها، و كم حاولت هذه الأخيرة كثيرا أن تخفف عنها أحزانها، و كان قد مر على المأساة أكثر من ستة أشهر، وقد نجحت أخيرا في إقناعها بالخروج من حالة الاكتئاب تلك و نصحتها بالبحث عن عمل جديد لِيُنسِيَها ألمها، و أن الإنسان مهما أصابه الألم و الأسى فالحياة ما تزال مستمرة و يجب عليه أن يؤمن بالقدر خيره و شره.
استغفرت سناء رَبَّها لِمَا فعلته بحقِّ نفسها، و نجحت في إيجاد عمل ميسور، تقربت من الله عز وجل و أكثرت من تلاوة القرآن الكريم، و بدأت تتعود على الحياة شيئا فشيئا، حتى مضت أزيد من ثلاث سنوات على المصاب الذي غير مجرى حياتها بالكامل، و رضيت بقضاء الله تعالى و قدره، و سلَّمت أمرها إلى الله بعد أن أصبحت تعاني من الوحدة بلا أخ و لا أم.
مَرَّتْ سنواتٌ وسنواتٌ من الماضي الأليم أمام أعينها كَلَمْحِ البَصَر، و هي مازالت تطل من وراء ستارة النافذة، و كأنها تترقب و صول شخص ما، تُرى هل أثر فيها ذلك الاتصال الغامض إلى هذا الحد؟!!!
فجأة سَمِعَتْ جرس الباب يرِّن، فشعرت بقلق رهيب، صاحبته قشعريرة انتابت كامل جسدها، و عندما فتحت باب الشقة؛ أصابها من الذهول ما لم تكن تتوقع في حياتها، لن تصدقوا من كان عند الباب!، إنه أخوها عمران بشحمه و لحمه؛ و الذي أتاهُمْ خبرُ وفاتهِ منذ مدة!.. و لكن أيعقل هذا؟؟......وأغمي عليها من شدة الصدمة.
أفاقت على صوته و هو يقول لها:- أختي سناء، ها أنا ذا حيّ أُرْزَق و لم أَمُت بالحادث، ها أنا عُدت إليكم بعد طول غياب.
نظرت إليه والدهشة مازالت على محيََّاها و قالت: - حَيّ.....يُرزق، كيف و قَدْ تسلمنا الجثة..
أخبرها عمران بالقصة كاملة، وكيف نجا من الموت بأعجوبة بعد أن سقطت به السيارة من المنحدر و أنه كان في حالة صعبة و مليئا بالجروح العميقة، و أن الجثة التي وُجدت ما هي إلا جثة صديقه الذي التقى به في الطريق يوم الحادثة و أقله معه، وكيف أنه حين تأكد من مفارقة صاحبه للحياة حاول جاهدا الخروج من السيارة و زحف بأقصى جهده ليستغيث بأحد ما، حتى ابتعد عن موقع الحادث، و فقد الوعي، وحين أفاق بعد أيام، وجد نفسه في بيت أحد القرويين الذي وجده قرب التل و قام بتضميد جراحه و عالجه، ولم يكن يتذكر أي شيء و لا حتى اسمه، كان يعرف فقط أنه وُجِدَ قرب التل في حالة سيئة، ومنذ ذلك الحين و هو يعمل مع أهل القرية في نقل المحاصيل الزراعية إلى المدينة، و بينما كان يعبر الطريق قبل أيام، صدمته سيارة فنقلوه إلى المستشفى، و عندما أفاق؛ تذكر كل شيء، و عَلِمَ بما حدث بعد أن ذهب للشركة التي كان يعمل بها قبل الحادثة و المدة التي مرت عليه و هو فاقد للذاكرة، و وعدهم بإرجاع التعويضات التي تم صرفها، عن طريق الخطأ، و قرر أن يعود فورًا لرؤية أمه و أخته و إخبارهم بأنه حي ، وأنه لم يمت.
و بعد أن علم بما وقع لأمه، و كيف ماتت بحسرتها حين تلقت خبر وفاته، حزن أشد الحزن و قال لأخته والدمع يسيل عل خديه:
-أنتِ كل ما بقي لي في هذه الدنيا يا سناء، بعد وفاة أُمِّنا و أَبِينا رحمهما الله...... و سنحاول معا أن نقف إلى جنب بعضنا البعض لتجاوز هذه المِحْنَة....إن شاء الله.
شعرت سناء حينها بشعاع من الأمل يضيء حياتها من جديد.........بعد عودة أخيها الذي كان في عداد الأموات....ياللعبة القدر!
"قَدَّر الله و ما شاء فًعَل".
أختكم نسرين مهابي
أرجو أن تعطوني آرائكم بالقصة
وشكراً
و كل عام و انتم بخير
العَائِدُ مِنَ المَوْتِ...حَيًًّا
*قصة كتبتها مِن وَحْيِ قَلَمِي
أضع بين أيديكم هذه القصة المتواضعة و التي كتبتها من تأليفي الخاص، وهي قصة حزينة، تحكي عن مدى محاولات الإنسان في التغلب على الآلام و الصعاب التي يتعرض لها، وأنه لا يجب علينا فقدان الأمل و الموت أحياءا مهما واجهتنا العراقيل و الصدمات ، لأن الحياة مستمرة... فلا حياة مع اليأس...وأنه يبقى وميض من الأمل يسطع من بعيد لينير حياتنا من جديد.
بسم الله تعالى نبدأ
جَلَسَتْ قُرْبَ النافذة المطلة على الشارع، بينما كانت تسترق النظر من وراء الستارة، راودتها أفكار غريبة، كان كل شيء مبعثرا، حتى الأكل الموضوع فوق الطاولة كان لا يزال على حاله، لم تذق منه ولا لقمة واحدة. ظلت أفكارها الغريبة تسرح بها يمينا و شمالا؛ بين إحساس بالحيرة تارة، و رغبة شديدة بالبكاء تارة أخرى.
ما سر المكالمة الهاتفية التي تلقتها ليلة البارحة؟ وماذا كان مضمونها الذي لم يسمح حتى للنوم بأن يغمض عينيها ؟؟؟.
تنهدت تنهيدة مثقلة، تضاربت فيها أحاسيس من الأمل و الألم معاً، و ظلت تفكر في ذلك الاتصال الهاتفي و تقول: أمعقول أن يكون هو فعلا؟؟؟...و كيف ذلك؟..و إذا كان هو حقاً، فلماذا بعد كل هذه السنين!!!..أم أنه مجرد اتصال خاطئ؟....وعادت بها الذاكرة إلى أحضان الماضي.
قبل عشر سنوات، كانت سناء تعيش مع أمها و أخيها الوحيد عمران، وكان لم يمر على وفاة والدهم سوى بضعة أشهر....كان أخوها هو عائلهم الوحيد، وكانت هي آنذاك لا تزال طالبة جامعية في السنة الأولى، تأثرت كثيرا بموت والدها حتى أنها لم تعد تفكر في الذهاب إلى الجامعة، لاسيما و الامتحانات على الأبواب، لكن أخاها كان سندها الوحيد - رغم حزنه هو أيضا-، وقف إلى جانبها و شجعها و حفزها على الاستعداد للامتحانات بكل عزم و جد، خصوصا بعد أن ذكَّرها بأمنية والدهم المرحوم، و هي أن يراهم ناجحين و متفوقين، وكم كان سيفرح و سيفتخر بها لو كان ما يزال على قيد الحياة، و ما كان منها إلا أن ثابرت و اجتهدت بعد أن سمعت هذا الكلام، و فعلا حققت رغبة أبيها المتوفى، وحصلت على درجة الماجستير بتقدير جيد بعد خمس سنوات. كان فرحتهم كبيرة لا توصف بهذا الخبر، ممزوجة بالدموع لرحيل الوالد قبل أن يرى هذا اليوم، ولكنها مشيئة الله.
مرت أشهر قليلة و استلمت سناء رسالة تعيين لوظيفة في إحدى الشركات التي كانت قد أجرت معهم مقابلة توظيف من قبل، شعرت الوالدة والأخ بالفخر لعملها، وعاش الثلاثة أجمل اللحظات إلى أن جاء اليوم الموعود؛ حين تحقق حلم أخيها عمران في الحصول على فرصة عمل في بلد أجنبي، فرح أشد الفرح، لكن، أخته سناء و أمه أبوا أن يبتعد عنهم سندهم الوحيد و رجل البيت بعد وفاة رب الأسرة، و كم حاولوا إقناعه في البقاء في بلده إلى جانبهم، و أنه ليس بحاجة لوظيفة بالخارج، خاصة و أن مرتبه الحالي جيد و يوفر له كل الاحتياجات، إلا أن طموحه كان أكبر من ذلك، وما كان منهما إلا الاستسلام أمام رغبته في تطوير ذاته.
جاء موعد السفر، رافقتاه إلى المطار، و وَدّعُوا بعضهم البعض و الدموع تغمر أعينهم، قبّلَ رأس أمه التي غمرته بدعواتها له بالتوفيق، و سلّم على أخته الوحيدة، و أخبرها أنه ما إن يستقر وضعه، حتى يوفر لها كل ما تحتاجه لتأمين مستقبلها، تمنت له النجاح في حياته هي أيضا. ذهب إلى الممر الخاص بالمسافرين، و بعد دقائق أقلعت الطائرة و كلهم أمل بألا يطول الغياب.
مرت أيام و أيام، وظلّ يتصل بهما باستمرار ليطمئن عليهما و يطمئنهما عليه و عن حال عمله، و أخبرهما كم يتمنى لو كانتا معه، كان يهاتفهما مرة في الأسبوع، و في الأعياد و المناسبات، و كل مرة يتصل فيها تدمع أعينهما و لا تمتلكان سوى الدعاء له بعودته سالما معافى.
و مرت سنة على هذه الحال، إلى أن حدث ما لم يكن في الحسبان، ففي يوم من الأيام و بينما كانت سناء في عملها و الأم منهمكة في أشغال البيت، دُقَّ الباب، لقد كان الطارق رجلا أجنبيا، كان يتكلم العربية، و أخبرها أنه مبعوث من الشركة التي يشتغل بها عمران، و جاء ليبلغها نبأ وفاة هذا الأخير في حادث مؤلم؛ فبينما كان في طريقه لمعاينة إحدى مشاريع الشركة، فَقَدَ السيطرة على مقود سيارته، و سقطت به من أعلى المنحدر، وتحطمت كلياً، وتَمَّ العثور على الجثة و كانت مشوهة تماماً، وتأكدوا من صاحبها من خلال الوثائق التي كانت بداخل السيارة، و أنه سيتمُّ نقل الجثة بصندوق إلى بلدها الأصلي بعد أسبوع، و أن الشركة ستقدم لهم تعويضا مُهِمًّا و كل التأمينات التي كانت لصالح للضحية، و ما إن أكمل الرجل كلامه حتى أُصِيبَتِ الأمُّ المسكينة بنوبةٍ قلبيةٍ، نُقِلَتْ على إثرِها إلى المستشفى.
ولمَّا عادت أخته إلى البيت و سمعت الخبر من الجيران، ذهبت على وجه السرعة إلى المستشفى و قلبها محطم من شدة الحزن لترى أمها، كانت تعيش أصعب لحظاتها على الإطلاق، من جهة موت أخيها المفاجئ بطريقة بشعة، و من جهة أخرى؛ النوبة التي أصابت أمها، و الأفظع من ذلك أن حالة الأم زادت سوءًا و لم تجتز مرحلة الخطر، فماتت بحسرتها هي الأخرى.
اِسودَّتِ الدنيا في عيني سناء، بعدما أصبحت وحيدة في هذه الحياة، و لولا قيام الجيران و بعض أصدقاء الفقيد، باتخاذ إجراءات الدفن، و إكمال المعاملات اللازمة لحصولها على التعويضات، لما كانت تدري ما تفعل، خاصة أنها دخلت في حالة اكتئاب شديدة، و انعزلت عن العالم كله، حتى أنها انقطعت عن عملها. و كانت جارتها يُمنى هي الإنسانة الوحيدة التي تطل للاطمئنان عليها و تقوم بقضاء حاجياتها، و كم حاولت هذه الأخيرة كثيرا أن تخفف عنها أحزانها، و كان قد مر على المأساة أكثر من ستة أشهر، وقد نجحت أخيرا في إقناعها بالخروج من حالة الاكتئاب تلك و نصحتها بالبحث عن عمل جديد لِيُنسِيَها ألمها، و أن الإنسان مهما أصابه الألم و الأسى فالحياة ما تزال مستمرة و يجب عليه أن يؤمن بالقدر خيره و شره.
استغفرت سناء رَبَّها لِمَا فعلته بحقِّ نفسها، و نجحت في إيجاد عمل ميسور، تقربت من الله عز وجل و أكثرت من تلاوة القرآن الكريم، و بدأت تتعود على الحياة شيئا فشيئا، حتى مضت أزيد من ثلاث سنوات على المصاب الذي غير مجرى حياتها بالكامل، و رضيت بقضاء الله تعالى و قدره، و سلَّمت أمرها إلى الله بعد أن أصبحت تعاني من الوحدة بلا أخ و لا أم.
مَرَّتْ سنواتٌ وسنواتٌ من الماضي الأليم أمام أعينها كَلَمْحِ البَصَر، و هي مازالت تطل من وراء ستارة النافذة، و كأنها تترقب و صول شخص ما، تُرى هل أثر فيها ذلك الاتصال الغامض إلى هذا الحد؟!!!
فجأة سَمِعَتْ جرس الباب يرِّن، فشعرت بقلق رهيب، صاحبته قشعريرة انتابت كامل جسدها، و عندما فتحت باب الشقة؛ أصابها من الذهول ما لم تكن تتوقع في حياتها، لن تصدقوا من كان عند الباب!، إنه أخوها عمران بشحمه و لحمه؛ و الذي أتاهُمْ خبرُ وفاتهِ منذ مدة!.. و لكن أيعقل هذا؟؟......وأغمي عليها من شدة الصدمة.
أفاقت على صوته و هو يقول لها:- أختي سناء، ها أنا ذا حيّ أُرْزَق و لم أَمُت بالحادث، ها أنا عُدت إليكم بعد طول غياب.
نظرت إليه والدهشة مازالت على محيََّاها و قالت: - حَيّ.....يُرزق، كيف و قَدْ تسلمنا الجثة..
أخبرها عمران بالقصة كاملة، وكيف نجا من الموت بأعجوبة بعد أن سقطت به السيارة من المنحدر و أنه كان في حالة صعبة و مليئا بالجروح العميقة، و أن الجثة التي وُجدت ما هي إلا جثة صديقه الذي التقى به في الطريق يوم الحادثة و أقله معه، وكيف أنه حين تأكد من مفارقة صاحبه للحياة حاول جاهدا الخروج من السيارة و زحف بأقصى جهده ليستغيث بأحد ما، حتى ابتعد عن موقع الحادث، و فقد الوعي، وحين أفاق بعد أيام، وجد نفسه في بيت أحد القرويين الذي وجده قرب التل و قام بتضميد جراحه و عالجه، ولم يكن يتذكر أي شيء و لا حتى اسمه، كان يعرف فقط أنه وُجِدَ قرب التل في حالة سيئة، ومنذ ذلك الحين و هو يعمل مع أهل القرية في نقل المحاصيل الزراعية إلى المدينة، و بينما كان يعبر الطريق قبل أيام، صدمته سيارة فنقلوه إلى المستشفى، و عندما أفاق؛ تذكر كل شيء، و عَلِمَ بما حدث بعد أن ذهب للشركة التي كان يعمل بها قبل الحادثة و المدة التي مرت عليه و هو فاقد للذاكرة، و وعدهم بإرجاع التعويضات التي تم صرفها، عن طريق الخطأ، و قرر أن يعود فورًا لرؤية أمه و أخته و إخبارهم بأنه حي ، وأنه لم يمت.
و بعد أن علم بما وقع لأمه، و كيف ماتت بحسرتها حين تلقت خبر وفاته، حزن أشد الحزن و قال لأخته والدمع يسيل عل خديه:
-أنتِ كل ما بقي لي في هذه الدنيا يا سناء، بعد وفاة أُمِّنا و أَبِينا رحمهما الله...... و سنحاول معا أن نقف إلى جنب بعضنا البعض لتجاوز هذه المِحْنَة....إن شاء الله.
شعرت سناء حينها بشعاع من الأمل يضيء حياتها من جديد.........بعد عودة أخيها الذي كان في عداد الأموات....ياللعبة القدر!
"قَدَّر الله و ما شاء فًعَل".
أختكم نسرين مهابي
أرجو أن تعطوني آرائكم بالقصة
وشكراً
و كل عام و انتم بخير