المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المبدع كعب بن زهير


عبد الرحمن العبدي
07-22-2008, 03:16 PM
ورث موهبة الشعر عن والده فهو شاعر موهوب ابن شاعر فحل اجمع النقاد والأدباء على انه من اعظم شعراء عصره.
إنه كعب بن زهير، أبوه زهير بن أبي سلمى الشاعر الجاهلي الكبير الذي كان شعره موضع التقدير في عصره وما بعد عصره، وكان عمر بن الخطاب لا يقدم شاعرا على زهير، وكان يقول: اشعر الناس الذي يقول: ومن ومن ومن، مشيرا بذلك إلى مجموعة من الحكم في معلقة زهير المشهورة بدأ كلا منها بكلمة “من” مثل قوله:

ومن هاب أسباب المنايا ينلنه
وإن يرق أسباب السماء بسلم
ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله
على قومه يستغن عنه ويذمم

ولقد كان طبيعيا أن تكون نشأة كعب في أحضان والده الشاعر الكبير ووسط أسرة تقرض جميعها الشعر، سببا في أن ينظم الشعر وهو صغير، كما أثرت هذه النشأة في أخيه “بجير” الذي أخذ الشعر أيضا عن أبيه.

إسلام كعب

ولإسلام كعب قصة ترويها كل كتب التاريخ العربي وتراجم الأدباء العرب فعندما جاء الإسلام اسلم بجير، وبقي كعب على وثنيته، ووقف في الجبهة المعادية للرسول ولرسالته وللمؤمنين به، ولم ينج بجير بسبب إسلامه من لسان كعب، فهجاه لخروجه على دين آبائه وأجداده ورد عليه بجير وطالبه باتباع طريق الهدى لينجو بنفسه من نار جهنم، لكن كعباً عاند وظل على وثنيته إلى أن فتحت مكة فكتب إليه بجير يخبره بأن الرسول قد أهدر دمه، وقال له: “إن النبي قتل كل من آذاه من شعراء المشركين وإن ابن الزبعري وهبيرة بن أبي وهب قد هربا، وما أحسبك ناجيا، فإن كان لك في نفسك حاجة فأقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لا يقتل أحدا جاءه تائبا”، وعندما قرأ كعب كتاب أخيه ضاقت به الدنيا، وأشفق على نفسه، فلجأ إلى قبيلته مزينة لتجيره من النبي فأبت عليه ذلك، وعندئذ استبد به الخوف وأيقن انه مقتول.

الشاعر والرسول

يقول الشاعر الإسلامي صلاح الدين السباعي: في تلك اللحظات العصيبة شاءت إرادة الله أن يشرح قلبه للإسلام فاتجه إلى المدينة ونزل على رجل يعرفه من جهينة، فأتى به الرجل إلى المسجد، ثم أشار إلى رسول الله قائلا: “هذا رسول الله فقم إليه فاستأمنه” فتلثم كعب بعمامته، ومضى نحو الرسول حتى جلس بين يديه، ووضع يده في يده، ثم قال: “يا رسول الله إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمن منك تائبا مسلما، فهل أنت قابل منه إن جئتك به” قال رسول الله: “نعم”، وعندئذ كشف كعب عن وجهه وقال: “أنا يا رسول الله كعب بن زهير” وما إن قال ذلك حتى وثب عليه رجل من الأنصار قائلا: “يا رسول الله دعني وعدو الله اضرب عنقه”، فقال الرسول: “دعه عنك فإنه قد جاء تائبا نازعا”، وبين يدي الرسول وقف كعب ينشد لاميته الرائعة “بانت سعاد” فأعجب بها الرسول وكافأه عليها حيث كساه بردة كانت عليه، ويروى أن معاوية قد اشترى هذه البردة من أبناء كعب بعشرين ألف درهم وان الخلفاء من بعده كانوا يلبسونها في العيدين.

والقصيدة التي أشاد بها النقاد والأدباء في كل العصور تعتبر من افضل ما قيل في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم وهي تتكون من ثلاثة أجزاء بدأها بالحديث عن رحيل محبوبته سعاد ومدى غرامه بها فيقول في بدايتها:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول
متيم إثرها لم يفد مكبول
وما سعاد غداة البين إذ رحلوا
إلا اغن غضيض الطرف مكحول
هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة
لا يشتكى قصر منها ولا طول

وبعد أن يعدد الشاعر أوصاف محبوبته بأسلوب عف كريم ويعبر عن حزنه لرحيلها عن الديار يدخل في الجزء الثاني من القصيدة فيتحدث عن وصف الناقة التي حملته، وبعد أن يستوفي وصف الناقة يخرج منه الى الجزء الثالث والأخير من القصيدة فيشير إلى انه سينطلق بهذه الناقة إلى الرسول بعد أن تخلى عنه أصدقاؤه فقال:

وقال كل خليل كنت آمله
لا ألهينك إني عنك مشغول
فقلت خلوا سبيلي لا أبا لكم
فكل ما قدر الرحمن مفعول
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته
يوما على آلة حدباء محمول

وبعد ذلك وصل كعب بن زهير إلى غايته وهي الفوز بعفو رسول الله وتأكيد إيمانه به وبرسالته، حتى إذا مدحه بعد ذلك كان مطمئنا إلى أن مديحه سيكون مقبولا عند رسول الله، ومن اجل تحقيق ذلك حرص كعب على أن يصور مدى ما في نفسه من هيبة من رسول الله، كما حرص على أن يتنصل من كل ما اغضب عليه الرسول مؤكدا توبته وإيمانه.

ولذلك حشد كعب كل طاقته الشعرية ودفع بها في طريق تحقيق هذا الهدف ووظف كل ما يمتلك من أدوات فنية للوصول إلى ما يريد، فالمسألة مسألة حياة أو موت.

وواصل كعب إلقاءه للقصيدة فقال:
أنبئت أن رسول الله أوعدني
والعفو عند رسول الله مأمول

وظل يعتذر ويقدم المبررات ويناشد الرسول عدم تصديق ما نقله عنه أهل الوشاية إلى أن قال:

إن الرسول لنور يستضاء به
مهند من سيوف الله مسلول

حكمة أصيلة

وإلى جانب هذه القصيدة الشهيرة التي حققت له شهرة كبيرة فإن لكعب بن زهير إنتاجا شعريا متنوعا جمع بعضه أو معظمه في ديوان يحمل اسمه، أما موضوعات شعره فهي كغيرها من موضوعات الشعر الجاهلي، تتراوح بين الفخر والمدح والهجاء والرثاء والغزل والوصف وبعض الحكم، لكن النقاد يفرقون في شعره بين اتجاهين متباينين لأن إسلام كعب قد غير في نهج شعره وأمده بكثير من الصور، ورقق ألفاظه ومعانيه حيث كان كعب في الجاهلية يميل إلى الشدة والتقعر وخاصة في وصف الصحراء وحيوانها، بينما بعد الإسلام نراه كما يقول النقاد يميل إلى إرسال الحكمة والى الابتعاد عن الموضوعات الجاهلية.

يقول محمد علي الصباح في كتابه “كعب بن زهير: حياته وشعره”: الحكمة في شعر كعب ليست أمرا طارئا عليه أو هي مستبعدة من أن تصدر عن مثله، فهو ابن زهير بن أبي سلمى الشاعر الذي زخرت معلقته بكثير من المواعظ والحكم، فليس غريبا أن يشتمل ديوان كعب على حكم كثيرة مبثوثة هنا وهناك في ثناياه، وأكثرها يمثل مقطوعات صغيرة مستقلة يبدو عليها اثر الإسلام واضحا، إذ استفاد كعب من تعاليم دينه ولذلك فإن إنتاجه بعد إسلامه كان مشبعا بتعاليم المدرسة الإسلامية فحين يقول كعب:

لو كنت اعجب من شيء لأعجبني
سعي الفتى وهو مخبوء له القدر
يسعى الفتى لأمور ليس يدركها
والنفس واحدة والهم منتشر
والمرء ما عاش ممدود له أمل
لا تنتهي العين حتى ينتهي الأثر

فالتعاليم الإسلامية في هذا الشعر واضحة كل الوضوح وهي تشعرنا كيف يسلم كعب بقضاء الله وقدره، كما تشعرنا بمدى تغلغل الإسلام في روح كعب ونفسه، والذي استطاع أن يقضي فيها على نزعاتها الجاهلية ويحول نقمتها على الحياة إلى أمل، بعطاء الله وفرج قريب من رحمته الواسعة.

وهكذا نرى كعبا في كل أشعاره الحكيمة يستمد زادها من الإسلام حيث يوكل أمره إلى الله الذي وحده يتكفل بالعباد، ويمن عليهم بالرزق والنعمة والأفضال، يقول كعب:

أعلم أني متى ما يأتني قدري
فليس يحسبه شح ولا شفق
بينا الفتى معجب بالعيش مغتبط
إذ الفتى للمنايا مسكم غلق
والمرء والمال ينمي ثم يذهبه
مر الدهور ويفنيه فينسحق
فلا تخافي علينا الفقر وانتظري
فضل الذي بالغنى من عنده نثق
إن يفن ما عندنا فالله يرزقنا
ومن سوانا ولسنا نحن نرتزق

ففي هذه الأبيات يقترب كعب من أن يكون واحدا من زهاد المسلمين الذين كانوا يكرهون أن يفكر الشخص منهم في رزق غد، بل كان منهم من يرى أن ذلك خطيئة لا تغتفر لأن رب العباد متكفل برزقهم، وليس عليهم إلا أن يسلموا أمرهم له فهو القادر على أن يرزقهم وسواهم من الناس قاطبة.

ويمضي كعب في أشعاره الحكيمة محملا لها ما شاء من تعاليم الإسلام التي تدعو إلى التوكل على الله في كل أمر والسعي الدائم الذي لا يقعد المرء عنه خوفاً من أذى أو مكروه، لأن كل شيء يحدث للمرء بمشيئة من الله وأمر من قضائه العادل.

إسلام صبري
08-05-2008, 04:31 AM
جزاك الله خيرا يا استاذ عبد الرحمن
اللهم اجعلنا خير احفاد لخير اجداد

أحمد سليمان النجار
03-01-2009, 12:54 PM
شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية

أبوحبر
03-01-2009, 02:34 PM
اعتقد أن الأبيات = ومن هاب اسباب المنايا ينلنه + وان يرق اسباب السماء بسلم....... الخ هي للشاعر الجاهلي زهير بن ابي سلمى وأولها =سئمت تكاليف الحياة ومن يعش+تمانين حولا لاأبالك يسأم
وهي قصيدة رائعة وكلها حكم وعظات ... شكرا وتقبل تحياتي لك .

أبوحبر.

عامر الدليمي
03-04-2009, 09:54 PM
شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .

ابراهيم السعيد
03-06-2009, 04:03 PM
اخى الفاضل المحترم ا/عبد الرحمن اشكرك من كل قلبى على هذا الموضوع الراقى الهادف للتعريف بنوابغ الشعراء فى صدر الاسلام 0لك شكرى واحترامى وتقديرى 0تقبل مرورى 0000000000000وبانتظار مرور المبدع ا/احمد عراقيب

مرتضى الخطاط
04-02-2009, 08:13 PM
الاخ الاستاذ عبد الرحمن الموقر
شكرا جزيلا لهذا الطرح المميز

تقبل ماسود العبد الفقير

أحمد عراقيب
04-11-2009, 07:49 PM
وأضيف أيضا أخي الكريم أن ما اضطر شاعر الاسلام بكتابة هذه القصيدة.

أن كان ممن أهدر الرسول صلّى الله عليه وسلّم دمائهم.

حيث أنه كان ممن يهجون الرسول صلى الله عليه وسلم.

فأمر النبي صلى الله عليه وسلم باهدار دمه هو ومجموعة أخرى ممن كان يشنّعون بالنبي.

وبعد أن شرح الله صدر كعب بن زهير للاسلام ظلّ يبحث عن حيلة يرضي بها النبيّ.

وبعد أن ضاقت به الأرض بما رحبت , ذهب الى رؤساء قومه ويسألهم ما الحل وما الحيلة؟

فأرشده بعضهم بأن ينظم قصيدة في الرسول.

وبعدها ذهب الى أبي بكر الصديق ويتوسط به الى الرسول.

وبعد أن اتفق مع أبي بكر قال له أبو بكر اذا صلّينا الصبح.

أتقدم الى الرسول صلى الله عليه وسلم , وأستأذن لك في أن تلقي قصيدتك.

فلما صلّى الحبيب المصطفى بالناس صلاة الفجر , قام أبو بكر الى الحبيب وقال له :

هذا كعب بن زهير يريد أن يلقي عليك قصيدة.

فجلس ينشد القصيدة أمام النبي صلى الله عليه وسلم.

وبعد أن انتهى منها خلع الحبيب المصطفى بردته وأعطها لزهير

فأصبحت هذه القصيد ة حالة فريدة في الشعر , وستبقى أبد الدهر أنشودة عذبة على أفواه الشعراء.

أخي الكريم سيرة سيدنا كعب بن زهير ملأنة بالقصص الجميل مع الحبيب المصطفى.

وان شاء الله لي رجعة أخرى لكي نغطى هذه القصص الجميلة.

الشكر موصول لك أخي الكريم على حسن اختيارك لشاعر الاسلام كعب بن زهير.

تقبل تحيات أخيك في الله.